الصيام والعبادات
الأشهر الحرم: ما هي؟ ولماذا حُرّمت؟ ومواعيدها في 1448 و1449
الأشهر الحرم الأربعة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب: الأدلة من القرآن والسنة، وحكمة تحريمها، وحكم القتال فيها، وما يُستحب من الأعمال، ومواعيدها القادمة.
أخبرنا الله في كتابه أن من الشهور الاثني عشر أربعةً حُرُمًا، ونهانا أن نظلم فيها أنفسنا. فما هذه الأشهر؟ ولماذا خُصّت بالتحريم؟ وما الذي يتغير على المسلم حين يدخل شهر حرام؟ في هذا المقال نجمع ما ورد فيها من القرآن والسنة وأقوال العلماء، مع مواعيدها في العامين الهجريين 1448 و1449.
ما الأشهر الحرم؟
الأشهر الحرم أربعة:
- ذو القعدة — الشهر الحادي عشر.
- ذو الحجة — الشهر الثاني عشر.
- محرم — الشهر الأول.
- رجب — الشهر السابع.
ثلاثة منها سَرْد أي متتابعة، تمتد من أواخر السنة إلى أولها: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم. وواحد فَرْد هو رجب، يقع وحده في وسط السنة، ولذلك سمّته العرب «رجب الفرد».
الدليل من القرآن
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]
وفي الآية ثلاث حقائق:
- أن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا ثابتة منذ خلق السماوات والأرض.
- أن أربعة منها حرم خصّها الله بمزيد حرمة.
- أن الظلم فيها منهيّ عنه نهيًا خاصًا، وإن كان محرمًا في كل وقت.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]، وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 97].
الدليل من السنة
بيّن النبي ﷺ أعيان الأشهر الحرم في خطبته في حجة الوداع، فقال:
«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُم: ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان» [رواه البخاري 3197 ومسلم 1679].
وقوله ﷺ «رجب مضر» إشارة إلى أن قبيلة مُضَر كانت تحافظ على وضع رجب في موضعه بين جمادى الآخرة وشعبان، بخلاف قبيلة ربيعة التي كانت تجعل رجبها في موضع آخر، فأقرّ النبي ﷺ ما كانت عليه مضر.
لماذا حُرّمت هذه الأشهر؟
يذكر المفسرون والمؤرخون حكمًا متعددة لتحريم هذه الأشهر:
تأمين الحج والعمرة
كانت العرب قبل الإسلام تعظّم هذه الأشهر وتكفّ فيها عن القتال، ليأمن الحجاج في طريقهم إلى مكة. فذو القعدة شهر السفر إلى الحج، وذو الحجة شهر الحج، ومحرم شهر العودة منه. أما رجب في وسط السنة فكان شهر العمرة والزيارة. فكان التحريم صونًا لأعظم شعائرهم.
تأكيد الإسلام لهذه الحرمة
لما جاء الإسلام أقرّ حرمة هذه الأشهر، وأبطل ما كانت العرب تتلاعب به من النسيء؛ إذ كانوا يؤخرون حرمة شهر إلى شهر آخر إذا احتاجوا إلى القتال، فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: 37].
مواسم للطاعة والمراجعة
جعل الله في السنة أوقاتًا فاضلة، كما جعل في الأمكنة أماكن فاضلة، ليجتهد العبد فيها ويراجع نفسه. قال قتادة رحمه الله: «إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء».
ما معنى «فلا تظلموا فيهن أنفسكم»؟
ذكر المفسرون في معنى الآية أقوالًا متقاربة:
- لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في هذه الأشهر خاصة، لأن الذنب فيها أعظم.
- لا تظلموها بترك الطاعات فيها، لأن العمل الصالح فيها أعظم أجرًا.
- وقيل: الضمير يعود إلى الشهور كلها، والمعنى النهي عن الظلم في السنة كلها، مع تخصيص الأربعة بمزيد تعظيم.
ورجّح ابن كثير وغيره أن الضمير يعود إلى الأربعة، وأن الظلم فيها آكد وأغلظ، كما أن المعصية في الحرم أغلظ من المعصية في غيره.
حكم القتال في الأشهر الحرم
كان ابتداء القتال في الأشهر الحرم محرمًا في صدر الإسلام، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. ثم اختلف العلماء:
- فذهب الجمهور إلى أن تحريم ابتداء القتال فيها منسوخ، واستدلوا بآيات القتال العامة وبحصار النبي ﷺ للطائف في ذي القعدة.
- وذهب آخرون، منهم عطاء وابن تيمية في رواية، إلى أن التحريم باقٍ في ابتداء القتال، أما الدفاع فجائز في كل وقت.
واتفق الجميع على أن حرمة هذه الأشهر باقية في تعظيمها وتغليظ الظلم فيها، وإنما الخلاف في حكم القتال.
الأشهر الحرم في السيرة النبوية
ارتبطت بالأشهر الحرم أحداث مهمة في السيرة:
سرية نخلة (رجب سنة 2 هـ)
بعث النبي ﷺ عبد الله بن جحش في سرية إلى نخلة بين مكة والطائف لاستطلاع أخبار قريش، فلقوا قافلة لقريش في آخر يوم من رجب على أرجح الروايات، فوقع القتال، فاتهمت قريش المسلمين بانتهاك الشهر الحرام. فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217]، فأقرّ عِظَم القتال في الشهر الحرام، وبيّن أن ما فعلته قريش أعظم.
صلح الحديبية (ذو القعدة سنة 6 هـ)
خرج النبي ﷺ معتمرًا في ذي القعدة، وساق الهدي، ولم يحمل من السلاح إلا سلاح المسافر، إعلانًا لقصده السلمي في الشهر الحرام. فلما صدّته قريش كان صلح الحديبية الذي سمّاه الله ﴿فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].
عمرة القضاء (ذو القعدة سنة 7 هـ)
عاد المسلمون في العام التالي، في ذي القعدة أيضًا، فأدّوا العمرة التي صُدّوا عنها. ولهذا كانت أكثر عُمَر النبي ﷺ في ذي القعدة.
حجة الوداع (ذو الحجة سنة 10 هـ)
وفيها خطب النبي ﷺ الخطبة التي بيّن فيها الأشهر الحرم، وحرمة الدماء والأموال والأعراض: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» [رواه البخاري 67].
ما الأعمال المستحبة في الأشهر الحرم؟
ليس للأشهر الحرم عبادة خاصة واجبة بوصفها أشهرًا حرمًا، لكن في كل منها مواسم فاضلة، ويُستحب فيها عمومًا الإكثار من الطاعة:
ذو القعدة
شهر الاستعداد للحج والعشر الأوائل من ذي الحجة. وكانت أكثر عُمَر النبي ﷺ فيه، فهو موسم مناسب للعمرة لمن تيسرت له.
ذو الحجة
فيه العشر الأوائل التي قال فيها النبي ﷺ: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر» [رواه البخاري 969]، وفيه يوم عرفة وصيامه يكفّر سنتين، ويوم النحر وأيام التشريق.
محرم
قال النبي ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم» [رواه مسلم 1163]، وفيه يوم عاشوراء وصيامه يكفّر السنة الماضية.
رجب
شهر حرام يُستحب فيه عموم العمل الصالح. ونبّه العلماء إلى أنه لم يثبت حديث صحيح في فضل صيام أيام معينة منه أو صلاة مخصوصة فيه، كصلاة الرغائب في أول ليلة جمعة منه، فقد حكم أهل الحديث بوضع رواياتها. أما الصيام فيه على وجه التطوع العام فلا بأس به.
مواعيد الأشهر الحرم في 1448 و1449
بحسب تقويم أم القرى، وقد تختلف بيوم بحسب الرؤية في بلدك:
| الشهر | يبدأ | ينتهي | أبرز ما فيه |
|---|---|---|---|
| رجب 1448 | الخميس 10 ديسمبر 2026 | الجمعة 8 يناير 2027 | 27 رجب: الثلاثاء 5 يناير 2027 |
| ذو القعدة 1448 | الخميس 8 أبريل 2027 | الخميس 6 مايو 2027 | — |
| ذو الحجة 1448 | الجمعة 7 مايو 2027 | السبت 5 يونيو 2027 | عرفة 15 مايو، الأضحى 16 مايو |
| محرم 1449 | الأحد 6 يونيو 2027 | الأحد 4 يوليو 2027 | عاشوراء الثلاثاء 15 يونيو |
| رجب 1449 | الاثنين 29 نوفمبر 2027 | الثلاثاء 28 ديسمبر 2027 | — |
ولاحظ أن الموسم الحرام المتصل يمتد في 1448–1449 من 8 أبريل إلى 4 يوليو 2027، قرابة ثلاثة أشهر متتالية.
أخطاء شائعة حول الأشهر الحرم
«رمضان من الأشهر الحرم». هذا غير صحيح؛ فرمضان شهر عظيم مستقل بفضائله، لكن الأشهر الحرم أربعة بيّنها النبي ﷺ بأعيانها، وليس رمضان منها.
«لا يجوز الزواج أو السفر في الأشهر الحرم». لا أصل لذلك؛ فالحياة تسير فيها كما في غيرها، وإنما يزداد فيها الحرص على اجتناب الظلم والإكثار من الخير.
«لرجب عبادات خاصة». ما يُروى من صلوات وصيام مخصوص لرجب لم يثبت، والعبرة بعموم الطاعة في الشهر الحرام.
كيف تستثمر الأشهر الحرم؟
لأن الأشهر الحرم موزعة على العام، يمكن جعلها محطات للمراجعة:
- رجب: بداية الاستعداد لرمضان بعد شهرين؛ فاقضِ ما فاتك من صيام، وابدأ وردًا من القرآن.
- ذو القعدة: استعداد للعشر من ذي الحجة؛ احجز أضحيتك مبكرًا، وخطط لأيام الصيام.
- ذو الحجة: ذروة العام في العمل الصالح؛ أكثِر من التكبير والتهليل والصدقة، وصُم يوم عرفة.
- محرم: بداية سنة جديدة؛ صُم التاسع والعاشر، وراجع ما مضى من عامك.
ويمكنك متابعة موقعك من العام الهجري في صفحة التاريخ الهجري اليوم، والاطلاع على كل الأشهر في التقويم الهجري 1448.
الأسئلة الشائعة
ما الأشهر الحرم؟
أربعة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وهي متوالية، ورجب وهو منفرد بين جمادى الآخرة وشعبان.
لماذا سُمّيت الأشهر الحرم بهذا الاسم؟
لأن الله حرّم فيها القتال ابتداءً، وعظّم حرمتها، فالظلم فيها أشد إثمًا من غيرها، والعمل الصالح فيها أعظم أجرًا.
هل رمضان من الأشهر الحرم؟
لا. رمضان شهر الصيام وأفضل الشهور، لكنه ليس من الأشهر الحرم الأربعة التي بيّنها النبي ﷺ.
هل يحرم القتال في الأشهر الحرم اليوم؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن تحريم ابتداء القتال فيها منسوخ، وذهب آخرون إلى بقائه، واتفقوا على بقاء حرمتها وتغليظ الظلم فيها.