فهم التقويم الهجري
متى بدأ التقويم الهجري؟ ولماذا اختار عمر بن الخطاب الهجرة بداية للتأريخ
قصة نشأة التأريخ الهجري: الشهور قبل الإسلام والنسيء، وسبب وضع التأريخ في خلافة عمر، والخيارات التي عُرضت، ولماذا صار محرم أول السنة.
نكتب التاريخ الهجري كل يوم دون أن نتوقف عند سؤال بسيط: من الذي قرر أن نبدأ العدّ من الهجرة؟ ولماذا لا تبدأ السنة الهجرية بشهر الهجرة نفسه؟ وكيف كان الصحابة يؤرخون قبل ذلك؟ هذه قصة التقويم الهجري من الشهور العربية القديمة إلى قرار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما بعده.
الشهور عند العرب قبل الإسلام
عرفت العرب الشهور القمرية الاثني عشر بأسمائها المعروفة اليوم: محرم وصفر والربيعين والجماديين ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة. وكانت تعظّم أربعة منها هي الأشهر الحرم، فتكفّ فيها عن القتال، ويأمن الناس على أنفسهم وتجاراتهم، ويقصدون مكة للحج والأسواق.
لكن السنة القمرية أقصر من الشمسية بنحو أحد عشر يومًا، فكانت الشهور تتنقل في الفصول، ويأتي موسم الحج تارة في الصيف وتارة في الشتاء. فلجأت العرب إلى النسيء: تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، أو زيادة شهر في بعض السنين، ليستقر الحج في زمن مناسب لتجارتهم وأسفارهم. وكان القائم بذلك رجل من بني كنانة يُعرف بالقَلَمَّس، يعلن في الموسم ما يُنسأ من الشهور.
واستعمل بعضهم النسيء ذريعة لاستحلال القتال في الأشهر الحرم، فيحلّون شهرًا حرامًا ويحرّمون مكانه شهرًا حلالًا، فيوافقون عدد الأشهر الحرم ويخالفون أعيانها.
كيف كانوا يؤرخون؟
لم يكن للعرب تقويم سنوي معدود، بل كانوا يؤرخون بالحوادث الكبرى: عام الفيل حين قصد أبرهة مكة بجيشه، وهو العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ على المشهور، وعام الفِجار، وبناء الكعبة، ووفاة فلان من الأشراف. وهذه الطريقة تصلح لجيل يعرف الحوادث، ولا تصلح لدولة واسعة يتبادل ولاتها الكتب والصكوك.
الإسلام يقرر السنة القمرية الخالصة
جاء الإسلام فأقرّ عدّة الشهور وحرمة الأربعة منها، وأبطل النسيء:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: 37]
وفي حجة الوداع سنة 10 هـ أعلن النبي ﷺ استقرار الزمان على أصله فقال: «إن الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خلق اللهُ السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم» [رواه البخاري 3197 ومسلم 1679]. ومنذ ذلك الحين صارت السنة قمرية خالصة، تبدأ شهورها برؤية الهلال، ولا يُزاد فيها شهر.
لكن لم يكن للسنين رقم بعد؛ فالكتب النبوية والعهود والمواثيق في ذلك العهد تُؤرّخ بالشهر والحادثة، لا بسنة معدودة.
تسمية السنين بعد الهجرة
ذكر بعض المؤرخين أن كل سنة من السنوات العشر التي عاشها النبي ﷺ في المدينة عُرفت باسم يدل على أبرز ما وقع فيها: فالأولى سنة الإذن بالهجرة، والثانية سنة الأمر بالقتال، وهكذا إلى العاشرة سنة الوداع. وتختلف قوائم هذه الأسماء عند المؤرخين، لكنها تدل على أنهم كانوا يميزون السنين بأحداثها قبل أن يُوضع لها عدد.
قرار عمر بن الخطاب رضي الله عنه
اتسعت الدولة في خلافة عمر رضي الله عنه من مصر إلى العراق والشام، وكثرت الكتب بين الخليفة وعماله والقضاة وأصحاب الدواوين، فظهرت الحاجة إلى تأريخ موحّد.
وتذكر الروايات أسبابًا قريبة متعددة. فمنها أن أبا موسى الأشعري — وكان واليًا على البصرة — كتب إلى عمر: إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ. ومنها أنه رُفع إلى عمر صكّ محلّه في شعبان، فقال: أيّ شعبان؟ أشعبان الذي نحن فيه أم الذي مضى أم الذي يأتي؟ وقد أورد هذه الأخبار الطبري وغيره، وهي وإن اختلفت في التفاصيل متفقة في جوهرها: الحاجة الإدارية إلى سنة معدودة.
الخيارات التي عُرضت
جمع عمر الصحابة وشاورهم، فاقتُرحت عدة مبادئ للتأريخ:
- مولد النبي ﷺ.
- مبعثه أي بداية الوحي.
- وفاته ﷺ.
- هجرته إلى المدينة.
- وذكر بعضهم أن يؤرخوا على طريقة الفرس أو الروم، فلم يُرتضَ ذلك.
فاستقر الرأي على الهجرة، ويُروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار بها. وعلّلوا ذلك بأن الهجرة فرّقت بين الحق والباطل، وكانت بداية عزّ الإسلام وقيام دولته، وأن سنتها معلومة لا خلاف فيها؛ أما المولد والمبعث ففي تحديد سنتهما خلاف، وأما الوفاة فمصيبة لا يحسن أن تكون مبدأ.
وأكثر المؤرخين على أن ذلك كان سنة 17 هـ (638م)، وقيل سنة 16 هـ.
لماذا كان محرم أول السنة؟
وقعت الهجرة في ربيع الأول؛ فقد وصل النبي ﷺ إلى قباء في أوائله. فكان مقتضى الحساب أن تبدأ السنة من ربيع الأول. لكن الصحابة رأوا أن يبدؤوا السنة من محرم، لأنه كان مبدأ السنة عند العرب، ولأنه منصرف الناس من الحج الذي يختم العام.
ويُروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الذي أشار بمحرم. وذكر بعض العلماء أن العزم على الهجرة كان بعد بيعة العقبة في موسم الحج، فكان أول هلال استُهلّ بعد ذلك هلال محرم.
وترتب على ذلك أمر لطيف: أن أول يوم في التقويم الهجري سابق للهجرة نفسها بنحو شهرين. فالأول من محرم سنة 1 هـ يوافق 16 يوليو 622م بالتقويم اليولياني الذي كان مستعملًا آنذاك، أما وصول النبي ﷺ إلى المدينة ففي سبتمبر من العام نفسه.
الخميس أم الجمعة؟
يذكر الفلكيون والمؤرخون أن الأول من محرم سنة 1 هـ يوافق الجمعة 16 يوليو 622م بحسب التقويم الحسابي المدني، والخميس 15 يوليو 622م بحسب الحساب الفلكي الذي يجعل بداية الشهر من مساء ظهور الهلال. وكلا التاريخين يرد في كتب الجداول والتقاويم، والفرق بينهما ناشئ عن طريقة الحساب لا عن خطأ في أحدهما.
وهذه المسألة الصغيرة تشرح كثيرًا من اختلاف المراجع التاريخية في التواريخ القديمة بيوم واحد؛ فمن حوّل تاريخًا من القرن الأول الهجري بأداة تعتمد أحد الأصلين خالف من اعتمد الآخر.
انتشار التأريخ الهجري
انتشر التأريخ الجديد سريعًا في دواوين الدولة؛ فأقدم ما وصلنا من الوثائق المؤرخة بالهجري برديات من مصر في العقود الأولى للإسلام، ثم النقود الأموية التي ضُربت عليها سنة الضرب، والنقوش على المباني والقبور.
ولما كانت الشهور تبدأ برؤية الهلال، وقد تختلف بين بلد وآخر، وضع علماء الفلك المسلمون التقويم الحسابي الذي يجعل الشهور تتناوب بين 30 و29 يومًا، ويضيف يومًا في إحدى عشرة سنة من كل ثلاثين، ليستعمله الحُسّاب والمؤرخون. واشتغل علماء كالخوارزمي والبيروني والبتّاني بحساب أوائل الشهور وإمكان رؤية الهلال، وهو علم نما في الحضارة الإسلامية قرونًا.
التقويم الهجري في العصر الحديث
مع القرنين التاسع عشر والعشرين اعتمدت أكثر الدول الإسلامية التقويم الميلادي في شؤونها المدنية، وأبقت التقويم الهجري للعبادات والمناسبات. واعتمدت الدولة العثمانية عدة تقاويم في وقت واحد، ثم اعتمدت تركيا التقويم الميلادي رسميًا سنة 1926م.
أما المملكة العربية السعودية فأبقت التقويم الهجري تقويمًا رسميًا، وتصدر تقويم أم القرى المبني على معايير فلكية لمكة المكرمة. وفي عام 1437 هـ (2016م) قرر مجلس الوزراء اعتماد التقويم الميلادي في صرف رواتب موظفي الدولة والسنة المالية، مع بقاء التاريخ الهجري حاضرًا في كثير من الوثائق والمعاملات.
جدول زمني مختصر
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| قبل الإسلام | شهور قمرية مع النسيء، والتأريخ بالحوادث |
| 16 يوليو 622م | أول محرم سنة 1 هـ (أول يوم في التقويم) |
| سبتمبر 622م | وصول النبي ﷺ إلى المدينة في ربيع الأول |
| 10 هـ / 632م | حجة الوداع وإبطال النسيء نهائيًا |
| 17 هـ / 638م تقريبًا | عمر بن الخطاب يعتمد التأريخ بالهجرة |
| القرون 3–5 هـ | ازدهار علم المواقيت والتقاويم الحسابية |
| 1926م | اعتماد تركيا التقويم الميلادي رسميًا |
| 1437 هـ / 2016م | السعودية تعتمد الميلادي في الرواتب والسنة المالية |
التأريخ الهجري على النقود والمخطوطات
من أوضح شواهد انتشار التأريخ الهجري النقود الإسلامية؛ فمنذ إصلاح عبد الملك بن مروان للعملة نحو سنة 77 هـ، صارت الدنانير والدراهم تُضرب بنقوش عربية خالصة يُذكر فيها مكان الضرب وسنته بالحروف، كقولهم: «ضُرب هذا الدرهم بواسط سنة تسعين». ومن هنا يستطيع علماء المسكوكات تأريخ الأحداث بدقة.
وكذلك المخطوطات التي يختمها النسّاخ بتاريخ الفراغ من النسخ، وشواهد القبور والنقوش على المساجد، وكلها تؤرخ بالهجرة، مما جعل التاريخ الهجري لغة مشتركة للحضارة الإسلامية من الأندلس إلى الهند.
دروس من قصة التقويم
أولًا: عدّة الشهور وترتيبها ثابتة بالقرآن، أما ابتداء السنين فاجتهاد إداري أجمع عليه الصحابة؛ ولذلك يشترك المسلمون جميعًا في رقم السنة، وإن اختلفوا أحيانًا يومًا في بداية الشهر.
ثانيًا: الشورى كانت طريق القرار؛ فلم ينفرد عمر برأيه، بل جمع أهل الرأي واستمع لاقتراحاتهم.
ثالثًا: استعمال الحساب في خدمة التقويم ليس أمرًا مستحدثًا؛ فقد عرفه المسلمون منذ أكثر من ألف سنة، والخلاف المعاصر إنما هو في اعتماده لإثبات دخول شهور العبادة، لا في مشروعية الحساب أصلًا.
رابعًا: في اختيار الهجرة بالذات معنى تربوي يتجدد كل عام: أن بداية الأمة كانت بالتضحية وترك الوطن والمال في سبيل الله، وبالإخاء بين المهاجرين والأنصار.
وإن أردت أن تعرف التاريخ الهجري لأي حدث تاريخي، فجرّب تحويل التاريخ واختر الطريقة الحسابية، فهي المعتمدة عند المؤرخين للتواريخ القديمة التي لا تُعرف فيها الرؤية الفعلية.
الأسئلة الشائعة
من وضع التقويم الهجري؟
وضعه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد مشورة الصحابة، سنة 17 هـ على أشهر الروايات (638م)، وقيل سنة 16 هـ.
لماذا بدأ التأريخ بالهجرة لا بالمولد؟
لأن الهجرة حدث ظاهر معلوم السنة عند الجميع، وبها قامت دولة الإسلام وتميّز المسلمون مجتمعًا، بخلاف المولد الذي اختُلف في سنته وتاريخه.
لماذا كان محرم أول السنة مع أن الهجرة كانت في ربيع الأول؟
لأن محرمًا كان مبدأ السنة عند العرب، إذ هو منصرف الناس من حجهم، فأبقاه الصحابة أول الشهور، ويُروى أن عثمان رضي الله عنه أشار به.
ما التاريخ الميلادي لأول يوم في التقويم الهجري؟
الأول من محرم سنة 1 هـ يوافق 16 يوليو 622م بالتقويم اليولياني الذي كان مستعملًا آنذاك.