مواقيت الصلاة والقبلة
وقت صلاة العصر عند الحنفية والجمهور: لماذا يوجد وقتان للعصر؟
الفرق بين العصر الأول (مثل الظل) والعصر الثاني (مثلي الظل)، وأدلة الجمهور والحنفية، ومقدار الفرق بالدقائق في الرياض والقاهرة وعمّان وبغداد، ومتى ينتهي وقت العصر.
صلاة العصر هي الصلاة الوحيدة التي يرتبط أول وقتها بـالظل. ولما اختلف الفقهاء في مقدار هذا الظل، صار في تطبيقات الصلاة خياران: «العصر الشافعي أو الجمهور» و«العصر الحنفي»، وصار مسجدان في حي واحد يختلفان في أذان العصر قرابة ساعة. وفي هذا المقال بيان القولين وأدلتهما، ومقدار الفرق في مدن عربية، ومتى ينتهي وقت العصر.
القولان في أول وقت العصر
يكون ظل الشيء أقصر ما يكون عند زوال الشمس، وهو بداية وقت الظهر. ثم يأخذ الظل في الزيادة شيئًا فشيئًا. والسؤال: متى يبدأ العصر؟
قول الجمهور: العصر الأول
يبدأ وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، مضافًا إليه ظل الزوال. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة.
قول أبي حنيفة: العصر الثاني
يبدأ وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، مضافًا إليه ظل الزوال. وهو المشهور عن الإمام أبي حنيفة والمعتمد في المذهب الحنفي عند كثير من متأخريه.
وظل الزوال — ويسمى «فيء الزوال» — هو الظل الباقي للشيء وقت الزوال؛ إذ لا يكاد ينعدم الظل عند الزوال إلا في أيام معدودة في البلاد الواقعة بين المدارين. فيُحسب العصر بعد طرحه.
الأدلة
دليل الجمهور: حديث إمامة جبريل
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أمّني جبريل عند البيت مرتين…»، فذكر أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «الوقت ما بين هذين الوقتين» [رواه أبو داود 393 والترمذي 149 وقال: حسن صحيح].
فدلّ الحديث على أن أول العصر عند مصير الظل مثله.
أدلة الحنفية
استدل أصحاب أبي حنيفة بأدلة منها:
- حديث الأجراء: قال النبي ﷺ: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس…»، ثم ذكر أن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار، وأهل الإنجيل إلى العصر، وأُعطي المسلمون أجرين على عملهم من العصر إلى الغروب، فقال أهل الكتاب: «كنّا أكثر عملًا» [رواه البخاري 557]. قالوا: وهذا يقتضي أن يكون ما بين الظهر والعصر أطول مما بين العصر والمغرب، ولا يتحقق ذلك غالبًا إلا إذا كان العصر عند المثلين.
- الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» [رواه البخاري 536]، وفيه دلالة على امتداد وقت الظهر.
- قالوا: وصلاة جبريل الظهر في اليوم الثاني عند المثل تدل على أن المثل من وقت الظهر.
وكلا القولين مبني على السنة، وقال بهما أئمة كبار، فليس أحدهما محدثًا.
كم الفرق بالدقائق؟
يتوقف الفرق على ارتفاع الشمس، أي على الفصل وخط العرض. وهذه أمثلة محسوبة:
| المدينة | التاريخ | الظهر | العصر (الجمهور) | العصر (الحنفي) | الفرق |
|---|---|---|---|---|---|
| الرياض | 21 ديسمبر 2026 | 11:51 | 2:50 م | 3:33 م | 44 دقيقة |
| الرياض | 21 يونيو 2027 | 11:55 | 3:16 م | 4:37 م | 81 دقيقة |
| القاهرة | 21 ديسمبر 2026 | 11:53 | 2:41 م | 3:23 م | 42 دقيقة |
| القاهرة | 21 يونيو 2027 | 12:57 | 4:32 م | 5:50 م | 78 دقيقة |
| عمّان | 21 ديسمبر 2026 | 12:34 | 3:18 م | 3:59 م | 41 دقيقة |
| عمّان | 21 يونيو 2027 | 12:38 | 4:18 م | 5:35 م | 77 دقيقة |
| بغداد | 21 ديسمبر 2026 | 12:01 | 2:41 م | 3:21 م | 40 دقيقة |
| بغداد | 21 يونيو 2027 | 12:04 | 3:48 م | 5:04 م | 76 دقيقة |
ويظهر من الجدول:
- أن الفرق أكبر في الصيف حين تكون الشمس عالية، فيطول الظل ببطء.
- وأنه أصغر في الشتاء، حين يكون النهار قصيرًا والظل طويلًا أصلًا.
أين يُعمل بكل قول؟
- العصر الحنفي هو المعتمد في باكستان والهند وبنغلاديش وأفغانستان، وكثير من مساجد آسيا الوسطى، وكان معتمدًا في التقاويم العثمانية.
- عصر الجمهور هو المعتمد في السعودية ودول الخليج ومصر والشام والعراق والمغرب العربي وجنوب شرق آسيا، وأكثر المساجد في الغرب.
«العصر الأول» و«العصر الثاني» في التراث العثماني
كانت التقاويم العثمانية تذكر الوقتين معًا: «عصر أول» وهو وقت الجمهور، و**«عصر ثانٍ»** وهو الوقت الحنفي. وكان العمل في المساجد على الحنفي، مع ذكر الأول للمسافرين وأتباع المذاهب الأخرى. وفي هذا شاهد على أن الأمة عرفت الخلاف قديمًا وتعايشت معه.
الحنفية والعشاء أيضًا
لا يقتصر خلاف أبي حنيفة على العصر؛ ففي العشاء ذهب الجمهور إلى أن وقتها يبدأ بغياب الشفق الأحمر، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يبدأ بغياب الشفق الأبيض الذي يلي الحمرة، فيكون متأخرًا. ووافق صاحباه الجمهور، وأفتى بقولهما كثير من متأخري الحنفية. وفي الحساب المعاصر يظهر هذا الخلاف في اختيار زاوية العشاء، لا في خيار مستقل.
متى ينتهي وقت العصر؟
اتفق الفقهاء — على اختلاف في التفاصيل — على أن لوقت العصر حدّين:
- وقت الاختيار: إلى اصفرار الشمس، والصلاة فيه بلا كراهة.
- وقت الضرورة: من الاصفرار إلى غروب الشمس، ويحرم تأخير الصلاة إليه بلا عذر.
وقد ذمّ النبي ﷺ تأخير العصر حتى الاصفرار فقال: «تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» [رواه مسلم 622]. وقال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» [رواه البخاري 579].
فضل صلاة العصر والتحذير من تضييعها
لصلاة العصر منزلة خاصة بين الصلوات، ومن ذلك:
- هي الصلاة الوسطى في أرجح أقوال العلماء، لقول النبي ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا» [رواه البخاري 2931 ومسلم 627]، وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238].
- من فاتته فكأنما خسر أهله وماله: قال ﷺ: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهلَه وماله» [رواه البخاري 552].
- من تركها حبط عمله: قال ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» [رواه البخاري 553].
- تشهدها الملائكة: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» [رواه البخاري 555].
وفي هذا كله حث على أداء العصر في أول وقتها بحسب المذهب الذي يتبعه المسلم، وعدم تأخيرها لانشغال بعمل أو تجارة أو نوم.
أوقات النهي بعد العصر
من المسائل المرتبطة بوقت العصر أن ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من أوقات النهي عن صلاة النافلة المطلقة، لقوله ﷺ: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» [رواه البخاري 586 ومسلم 827].
ويبدأ النهي عند الجمهور من أداء صلاة العصر لا من دخول وقتها، فمن أخّر العصر جاز له التنفل قبلها. واستثنى كثير من العلماء ذوات الأسباب كتحية المسجد وسنة الوضوء وقضاء الفوائت. ولذلك فإن اختلاف وقت العصر بين المذهبين يؤثر أيضًا في بداية وقت النهي عند من صلّى العصر في أول وقته.
مواقف عملية
الصلاة مع جماعة تخالف مذهبك
إذا صلّى الحنفي العصر مع جماعة تصلي في الوقت الأول، فقد أجاز ذلك كثير من علماء الحنفية مراعاةً لقول الصاحبين، ولفضل الجماعة، ورأى آخرون أن يصلي الظهر معهم إن لم يكن صلّاها، ثم العصر في وقتها عنده. وإن أشكل الأمر فليُسأل عالم حنفي.
السفر
يجوز للمسافر عند الجمهور الجمع بين الظهر والعصر. أما الحنفية فلا يرون الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، لكن يمكن للمسافر الحنفي أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها ويقدّم العصر إلى أول وقتها، فيقع ما يشبه الجمع الصوري.
أيام الشتاء القصيرة
في الشتاء يقصر ما بين الظهر والمغرب، فيقترب الوقتان. ففي بغداد مثلًا في 21 ديسمبر يكون العصر الأول 2:41 م، والحنفي 3:21 م، والمغرب 4:59 م، فيبقى للحنفي أكثر من ساعة ونصف قبل الغروب، والأولى ألا يؤخر إلى قرب الاصفرار.
ضبط العصر في تطبيقك
في صفحة مواقيت الصلاة في موقعنا، يكون العصر الحنفي افتراضيًا لمدن باكستان والهند وبنغلاديش وأفغانستان، وعصر الجمهور لسائر البلاد. ويمكنك تغييره من الإعدادات، ويحفظ الموقع اختيارك لكل بلد.
خلاصة
- عصر الجمهور: إذا صار ظل الشيء مثله بعد ظل الزوال (المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان).
- العصر الحنفي: إذا صار ظل الشيء مثليه بعد ظل الزوال (أبو حنيفة).
- الفرق بين 40 و80 دقيقة تقريبًا، ويكبر في الصيف.
- اتبع مذهبك أو مسجدك، ولا تؤخر العصر إلى اصفرار الشمس.
كلمة أخيرة
الخلاف في أول وقت العصر من الخلاف المعتبر الذي عرفته الأمة منذ قرون وتعايشت معه، فلا ينبغي أن يكون سببًا في التنازع بين المصلين أو الطعن في صلاة أحد. فالحنفي الذي يصلي العصر عند المثلين، والشافعي أو الحنبلي أو المالكي الذي يصليها عند المثل، كلاهما متبع لدليل معتبر وإمام مجتهد. والمطلوب من الجميع المحافظة على العصر في وقتها المختار، وعدم تأخيرها إلى اصفرار الشمس، والحرص على أدائها جماعة في المسجد حيث تيسر.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين العصر عند الجمهور والحنفية؟
يبدأ العصر عند الجمهور إذا صار ظل الشيء مثله بعد ظل الزوال، ويبدأ عند أبي حنيفة إذا صار ظل الشيء مثليه بعد ظل الزوال، فيكون العصر الحنفي متأخرًا.
كم الفرق بين العصر الأول والثاني؟
بين نحو أربعين دقيقة وثمانين دقيقة بحسب الفصل والمكان؛ ففي الرياض نحو 44 دقيقة في ديسمبر و81 دقيقة في يونيو.
هل يجوز للحنفي أن يصلي العصر في الوقت الأول؟
قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن بقول الجمهور، وأفتى به بعض متأخري الحنفية، فيُسأل عالم حنفي عن الحالة بعينها.
متى ينتهي وقت العصر؟
وقت الاختيار إلى اصفرار الشمس، ووقت الجواز مع الكراهة إلى غروبها، ويحرم تأخيرها إلى الاصفرار بلا عذر.